حين تفقد المؤسسة عقلها… لا تنقذها الحوكمة
يقول بيتر دراكر:
أن المعرفة أصبحت المورد الاقتصادي الأهم، وربما المصدر الحقيقي للميزة التنافسية.
ويرى ستيف جوبز:
أن استقطاب العقول لا يكون لإخضاعها لما نعرفه، بل لتمكينها من أن تقودنا إلى ما لا نعرفه.
وبين هاتين الفكرتين تقف الشركات العائلية والشركات الخاصة أمام سؤال حاسم عند التحول إلى الإدراج في السوق المالية:
هل أصبحت الشركة مؤسسة قادرة على التفكير… أم بقيت عقل مؤسس داخل هيكل شركة؟
في المملكة العربية السعودية
لم تعد الاستدامة المؤسسية قضية داخلية تخص الشركات وحدها.
رؤية 2030 :
دفعت باتجاه اقتصاد أكثر تنوعا، وقطاع خاص أكثر فاعلية، ومؤسسات قادرة على المنافسة والاستمرار.
وفي هذا السياق:
يصبح الاقتصاد القائم على المعرفة
جزءا من بنية التحول الوطني، لا شعارا إداريا عاما.
وتشير الدراسات:
إلى أن إدارة المعرفة تسهم في رفع الإنتاجية، وخفض الهدر، وتسريع الوصول إلى المعلومة، وتقليل تكرار الأعمال، وتحسين جاهزية الموظفين وفاعلية القرار المؤسسي.
كما أن نماذج التميز المؤسسي، ومنها جائزة الملك عبدالعزيز للجودة، تتعامل مع المعرفة والتعلم والاستدامة بوصفها مكونات أساسية في نضج المؤسسة، لا عناصر شكلية تضاف بعد اكتمال التنظيم.
وهنا تظهر الفجوة !!!!!!
فبعض الشركات تدخل السوق وهي قوية ماليا، منضبطة تنظيميا، مكتملة في الحوكمة والامتثال، لكنها لم تختبر بعد
في سؤالا أعمق ؟
هل انتقلت المعرفة التي صنعت نجاحها من الأشخاص إلى المؤسسة؟
هذه الفجوة لا تظهر غالبا في السنة الأولى بعد الإدراج.
ولا تكشفها القوائم المالية مبكرا.
ولا تفصح عنها لجان الحوكمة بسهولة.
لكنها تظهر لاحقا في سلوك المؤسسة:
* قرار أبطأ.
* مبادرة أقل.
* حس سوقي أضعف.
* قدرة أقل على قراءة التحولات.
* انشغال أكبر بالإجراء بدل الاتجاه.
هنا لا تكون الحوكمة مشكلة.
الأسواق تحتاج الحوكمة، والإفصاح، والرقابة، وحماية المستثمرين.
لكن الحوكمة تنظم المؤسسة، ولا تصنع وحدها عقلها.
الأسواق تستطيع إدراج الشركات… لكنها لا تستطيع أن تصنع لها عقلا مؤسسيا.
فبعض الشركات كانت قبل الإدراج:
تتحرك بعقل مؤسس أو دائرة ضيقة من أصحاب الخبرة.
ذلك العقل كان يقرأ السوق قبل المؤشرات، ويرى الخطر قبل التقرير، ويلتقط الفرصة قبل أن تصبح معلنة.
فعندما تتحول الشركة إلى مساهمة مدرجة، تنتقل الملكية، وتتوسع الرقابة، وتزداد اللجان، وتصبح القرارات أكثر انضباطا.
وهذا مطلوب.
لكن المطلوب معه أن تنتقل طريقة التفكير نفسها.
وهنا يأتي دور إدارة المعرفة قبل الإدراج.
بوصفها شرطا لتحويل الشركة من اعتمادها على عقل فرد إلى امتلاكها عقلا مؤسسيا.
إدارة المعرفة:
تعني أن تصبح الخبرة قابلة للاستمرار.
أن تتحول طريقة قراءة السوق إلى قدرة داخلية.
أن ينتقل منطق القرار من ذاكرة أشخاص إلى بنية مؤسسية.
أن تبقى المؤسسة قادرة على الفهم حتى بعد تغير المؤسسين والقيادات.
وهذا ليس مطلبا إداريا فقط، بل مطلب استدامة.
لأن استدامة السوق
لا تقاس فقط بعدد الشركات المدرجة، ولا بحجم السيولة، ولا بجودة الإفصاح، بل بقدرة الشركات المدرجة على إنتاج القيمة بعد الإدراج، لا استهلاك السمعة التي صنعتها قبل الإدراج.
ومن هنا،
فإن هيئة سوق المال،
بوصفها جزءا من منظومة وطنية تتجه نحو اقتصاد قائم على المعرفة، أمام فرصة مهمة لتوسيع مفهوم الجاهزية.
فكما تقاس الجاهزية المالية والتنظيمية قبل الإدراج، ينبغي أن يبدأ النقاش حول الجاهزية المعرفية:
هل تملك الشركة نظاما يحافظ على المعرفة التي صنعت نجاحها؟
هل تستطيع الاستمرار بعد غياب المؤسس؟
هل تحولت من شركة يقودها عقل فرد إلى مؤسسة تمتلك عقلا مستداما؟
هذا لا يضع إدارة المعرفة في مواجهة الحوكمة.
بل يجعلها امتدادا أعمق لها.
فالحوكمة تحمي السوق من الفوضى.
وإدارة المعرفة تحمي المؤسسة من فقدان الفهم.
وفي اقتصاد يريد أن ينتقل من الاعتماد على الموارد إلى صناعة القيمة، تصبح المعرفة أصلا مؤسسياً لا يقل أهمية عن المال، والعقل المؤسسي شرطا لا يقل أهمية عن الامتثال.
الخطر الحقيقي ليس أن تغادر القيادات المؤسسة.
الخطر أن تغادر قبل أن تتعلم المؤسسة كيف تفكر بدونها.
فحين تفقد المؤسسة عقلها… لا تنقذها الحوكمة
د. حسن بن عبدالله القرني
دكتوراه في إدارة المعرفة
مؤسس نظرية الشخصية البشرية في المعرفة
مستشار ومدرب معتمد دوليا لنظام إدارة المعرفة ISO 30401:2018
الرئيس التنفيذي لشركة المعرفة لحلول الاستدامة