‏عبارة “إعداد القادة” ليست مجرد توصيف إداري خاطئ
‏بل خلل مفاهيمي كشف مع التحولات الكبرى من عصر الصناعة إلى عصر المعرفة

‏القائد لا يصنع في قاعة تدريب
‏ولا يركب عبر التلقين
‏ولا يهندس ببرامج زمنية

‏القائد يكتشف إذا وجدت فيه القابلية
‏ويمكن إذا ثبتت فيه الأهلية

‏وما سوى ذلك
‏تكرار للأوهام

‏أولا: القيادة ليست صنعة بشر… بل اختيار سنني مرتبط بالقدرة

‏القرآن والسنة يقرران أصلا واضحا:
‏أن المناصب والمسؤوليات لا تمنح بمجرد الرغبة أو الطلب
‏بل بميزان القوة والأمانة
‏لا الشهادة والدورة

‏قال تعالى:
‏﴿ إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾

‏القوة هنا ليست قوة جسدية فقط
‏بل قوة عقل
‏وقوة قرار
‏وقوة تحمل مسؤولية

‏وقال ﷺ:

‏«إنا لا نولي هذا الأمر أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه»
‏رواه مسلم

‏وهذا نص صريح يهدم صناعة القيادة بالرغبة أو التدريب،
‏ويؤكد أنها أهلية تلاحظ لا أمنية تمنح.

‏ثانيا: التاريخ الإداري أسقط أسطورة التصنيع القيادي

‏في عصر الصناعة
‏كان يمكن تدريب مدير على نظام ثابت
‏أما في عصر التحولات
‏فالقائد أمام فوضى متغيرة ومعطيات غير مستقرة

‏وهنا يقول ⁧‫بيتر_دركر‬⁩

‏الإدارة هي تنفيذ الأشياء بشكل صحيح
‏أما القيادة فهي اختيار الأشياء الصحيحة أصلا

‏والأشياء “الصحيحة” لا تعلم بكتاب،
‏بل تبصرها عقول ذات قابلية خاصة

‏ثالثا: القرآن يقرر أن الفرق بين الناس في القدرة
‏لا في العدد ولا في التدريب

‏قال تعالى:
‏﴿ وفوق كل ذي علم عليم﴾

‏وهذه الآية تقيم مبدأ معرفيا حاسما:
‏أن التفاضل ليس في الكم،
‏بل في العمق والتمكن فالعلم طبقات ومستويات

‏ولهذا:

‏ليس كل فرد عامل
‏ بينما كل عامل فرد

‏ينسجم مع منطق القرآن نفسه،
‏لأن ليس كل من وجد في موضع قادر عليه

‏رابعا: السنة ترفض تمكين غير المؤهل مهما تدرب

‏قال النبي ﷺ:

‏«إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»

‏وهذا حديث في غاية الدقة:

‏فالأهلية تسبق التدريب
‏وإلا كان التدريب عبثا منظما.

‏خامسا: القيادة قدرة داخلية وليست منتجا تدريبيا

‏قال فريدريك_نيتشه‬⁩

‏من يملك سببا للوجود، يستطيع تحمل أي كيفية.

‏القائد ليس من يتعلم المهارات فقط
‏بل من يمتلك دافعا داخليا وفهما عميقا للسبب والمعنى

‏وهذا لا يصنع،
‏بل يكتشف.

‏سادسا: حتى الفكر الغربي أصبح يقر أن القادة لا يصنعون

‏تقول ⁧‫روزا_لوكسمبورغ‬⁩

‏من لا يتحرك، لا يشعر بقيوده

‏والقائد هو من يشعر بقيود الواقع قبل غيره
‏وهذه حساسية نفسية وفكرية لا تحقن،
‏بل تولد مع القدرة وتنمى بالتمكين.

#‏الخلاصة


‏القيادة قابلية يكتشف بها الإنسان
‏ثم تنمى، تحمى، وتمكن
‏فمن يصر على صناعة القادة
‏سينتج نسخا متكررة

‏أما من يشغله اكتشاف أصحاب القدرات
‏فهو من يصنع مستقبلا حقيقيا

‏ولهذا قال النبي ﷺ:
‏«اعملوا فكل ميسر لما خلق له»

‏وهي قاعدة وجودية عميقة تؤكد أن الإنسان لا يصنع على مقاسات خارجية
‏بل يكتشف فيما وهب له من قابلية،
‏ثم يمكن فيما ييسر له
‏مثال:

‏⁧‫لاعب_مهاجم‬⁩
‏هل تستطيع صناعته؟
‏بالطبع لا

‏لأن المهاجم الحقيقي لا يصنع بالتمارين،
‏بل يكتشف في اللحظة التي يعرف فيها أين يقف،
‏ومتى يتحرك،
‏وكيف يرى الملعب قبل الآخرين
‏يمكنك تدريبه،
‏تهذيبه،
‏تحسين أدائه،
‏لكن لا يمكنك زرع فيه
‏حس التهديف،
‏ولا حدس التمركز،
‏ولا غريزة القرار في جزء من الثانية

‏وهذا بالضبط ما يحدث مع القيادة

‏لا تستطيع صناعة مهاجم بالفطرة،
‏كما لا تستطيع صناعة قائد بالفطرة.
‏كل ما تملكه هو:
‏أن تكتشفه، ثم تمكنه
‏ 
‏د. حسن بن عبدالله آل خضران القرني